خاطرة:صراعٌ تحت السطح

رياض الجنة  | أبريل 3, 2016  | مجلس الكبار
(الموقع غير مسؤول عن محتوى هذه الإعلانات، يرجى إعلامنا في حال وجود إعلانات مسيئة)

خلقنا الله كائنات تتنفس هواء محبته … طاعته … لكن … ماذا إذا أرادت النفس القيام برحلة نحو القاع ؟

 

صراع تحت السطح-01

 

في بقعة مجهولة من البحر الكبير … كانت تصارع و تقاوم كثيراً لتعود إلى سطح المياه دون جدوى … الأعماق السحيقة للبحر العميق تجذبها بقوة نحو الأسفل … كلما خيل إليها أن قدمها بلغت القاع … انزلقت إلى قيعان أخرى أشد ظلاماً ووحشة ..

الماء يصبح ثقيلاً .. يطبق عليها كفخ صياد … و هي تتلوى محاولة الخلاص … لقد كانت تمضي عمرها متخبطة ما بين السطح و القاع … في نقطة ما مجهولة الارتفاع … لكن هناك تقريباً يقضي الناس العاديون أعمارهم ..

لاتدري متى بدأت تجذبها حياة القاع .. لم بدت لها ممتعة .. لم بدت غامضة وجديرة بالاكتشاف .. لكنها استسلمت لأول دوامة سحبتها مع التيار المغادر إلى أسفل … استسلمت و انقادت … خيل إليها أن الرحلة هاهنا في القاع المريح ستنتهي … سترتاح أخيراً من حياة التعلق  .. من محاولات الطفو و مقاومة الجاذبية … من التذبذب بين النقيض و النقيض .. بين نقاوة هواء السطح و ملوحة ماء البحر الغامض …

حياة القاع كانت تبدو مريحة ساكنة .. كانت تلائمها تماماً .. ربما خلقت لتكون إحدى كائنات القاع .. ربما .. كتب عليها أن تجد فيه السكون أخيراً .. مالم تكن تعرفه .. أنها بحاجة للهواء لتتنفس .. مالم تكن تدركه … أن الرحلة طويلة جداً بين القاع و السطح .. أن الغرق نزولاً أسهل مئة مرة من السباحة صعوداً … أن التيار المغادر لأسفل سيجذبها في كل مرة تحاول فيها المقاومة و العوم …

يدأ القلب يدق في صدرها بعنف طالباً الهواء … مياه القاع كانت خالية تماماً منه .. كانت ملوثة بالوحل .. بالسم … بالمخدر الذي يجعل الموت في هذا العمق أمراً يسيراً .. مسألة وقت لا أكثر ..

ضربات القلب تتباطأ … غشاوة تغطي عينيها .. كل شيء يبدو ضبابياً … لم تعد تبصر طريق السطح أبداً .. لم تعد تميز الاتجاهات …

جسدهاً بدأ يرتجف من برودة القاع .. العجز يشل قدميها عن دفعها للأعلى … السم يتغلغل في خلاياها لحظة تلو الأخرى .. أوقنت أن الهلاك أمر محتوم إن هي بقيت في هذا المكان .. لكن أين سبيل الخلاص ..

اشتاقت للسطح حيث الهواء يغمر رئتيها … حيث تحليق النوارس … حيث الشمس المشرقة تكافئ العائمين بالنور المتدفق بلا حساب .. شاقها السطح فوق قدرتها على الاحتمال … بكت كثيراً حتى اختلطت ملوحة الدمع بملوحة البحر الأجاج …

هزتها فكرة الموت في القاع .. غمرها الخوف … همست في يأس … يا الله … أعتذر عن ضعفي .. أعتذر عن غبائي .. قدماي ضلتا طريق العودة و لست أبصر شيئاً … يارب أخرجني بقدرتك من هنا … ولن أعود مجدداً ….

ظلمات فوق ظلمات … وصوت يائس ضعيف يناضل عند السطح … أغمضت عينيها في استسلام للموت المحتم … تيار لطيف صاعد .. التقطها … من أين أتى ؟ لم تكن قادرة على التمسك لكنه لم يفلتها …حتى أخرج رأسها فوق السطح … فوق السطح بقليل .. ومع أول نفس .. كانت أول صرخة كوليد يستقبل لأول مرة الحياة …

دفء الشمس لا يقارن ببرودة القاع التي تغزو القلب و العقل في سبات … لربما غطاها الوحل والدرن …. ربما توصم لبقية الصراع أنها من كائنات القاع .. ربما لن تستقبلها كائنات السطح ثانية …

لكن هذا لم يعد مهماً … التشبث هنا بات قضية حياة أو موت …

ذاك الصراع لن ينتهي … و أغنيات القاع تصل مسامعها مع هدوء الموج بعض الأحيان ….. لكن كلما غمرتها المياه و ابتعدت عن السطح .. تذكرت رطوبة القاع و برودته و عفونته …. و استجمعت قواها لتتابع الصراع بكل ما أوتيت من قوة ..

 

آلاء

شارك الموضوع
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *